Showing posts with label Arabic. Show all posts
Showing posts with label Arabic. Show all posts

على تلك الدرب، ابتسامة أيهم بوصلتي... لا موته


لم أكن قد أكملت أعوامي العشرة حين قرأت رواية «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف. لم يكن هناك في أدب الأطفال ما يكفي لإشباع رغبتي في القراءة أو لمقاومة الملل في مدينة تحاصرها الحروب الأهلية والاجتياح الإسرائيلي، فشرعت بقراءة ما استسهلت من مكتبة والديّ.
أمي التي هالها أن تراني قد أكملت الرواية – كأنها تظن أنّ الواقع الذي كنا نعيشه كان أقل ألماً أو سوريالية – سألتني رأيي في الكتاب:
- عادي
- ما زعجك؟
- مش عارفة...
- شو؟
- في ناس عنجد بتعمل هيك؟ يعني معقول في سجون متل هيك؟
لم أتمكن من إعادة قراءة الكتاب منذ ذلك الحين، ولم يبق في ذاكرتي منه إلا بضعة مشاهد لا أستطيع الجزم إن كانت فعلاً قد وردت في الرواية. في أحدها، يوضع رأس سجين سياسي داخل كيس مع قطط عدة، ومن ثم تجلد القطط لتنهش وجهه. هالني حينها قدرة سجاني «شرق المتوسط» على ابتداع وسائل تعذيب كهذه.
■ ■ ■
وقفت أمام المرآة لدقائق اتفحص تجعيدة القلق التي بدأت تظهر على جبيني، وأمارس تقنية استرخاء عضلات الوجه التي نصحتني بها صديقتي. تقنية الاسترخاء لا تفيد، فالتوتر يأكل معدتي وكل الدموع التي تنهمر يومياً لا تكفي لتغسل إحساسي بالذنب والعار. لقد وقفت أمامهم عاجزة وهم يقتلونه. نظرت إلى عينيه، وكان كأنه لا يراني. شاهدتهم وكان بحوزتي مسدس، لكنّي من شدة الخوف لم أقوَ على انتشاله. كان اسمه أيهم، وكان يحب أكل الفشار بالزبدة، وكنت أحب أن أعانده كلما أراد أن يشاهد التلفاز.
■ ■ ■
وصلني منذ فترة خبر موته تحت التعذيب في أحد معتقلات شرقيّ المتوسط. شاب كنت قد التقيته سريعاً في بيروت، أياماً قليلة قبل اعتقاله. بسنواته العشرين وابتسامته الهادئة، بدا أكثر براءةً من أن يدخل السجن. قضى أيهم بعد ثلاثة أيام من اعتقاله فقط. لم يحتمل جسده خيال سجاني الرواية. لبطل رواية منيف في خيالي اليوم، داخل ذلك الكيس، وجه أيهم.
■ ■ ■
ذلك لم يحصل، لكنه حصل. أنا لا أعرفه، ذاك الذي استشهد مرتين. أنا أبكي دون أن أشهد على اغتيال أحد إلا إلكترونياً. أنا أبكي على نفسي وعلى العمر الذي يمضي وعلى مجرد الفكرة التي مرت، أنني من الممكن أن أحقن عضلاتي بالبوتوكس لكي لا يرى من حولي، أنّي قد كبرت أكثر من عشر سنوات في السنتين الأخيرتين. نعم، أريد أن أغشكم جميعاً لتخالوني بطلة فيلم هوليوودي، بينما أنا ابنة المخيم الأول الذي تأسس عام ١٩٤٨ والمخيم الثاني الذي دُشِّن عام ٢٠١١.
■ ■ ■
لم أعد في العاشرة من العمر، بل قد بلغت ــ ربما أياماً فقط بعد موتك ــ سنّ «الحكمة» التي ما زلت أبحث في هذه السطور عنها. رفاقك، في ذلك المكان الذي أتمناه أجمل، أصبحوا عشرات الآلاف. تزورني وجوههم جميعاً وهي تحمل ابتسامتك. تسائلني في عملي، وتطلّ على كتابتي. تحاسبني عمّا اقترفت يداي، وما تقاعست عنه. ما الذي بإمكاني أن أقدمه لجيل العشرينيات، أنا وجيلي ممن عاشوا العديد من الحروب التافهة وشاهدوا تفكك إيديولوجيات ثورية وخيانة قادتها كما تغيُّر هوى مناصريها؟ لا يبدو أنّ في جعبتي الكثير، رغم فلسطين وانتفاضاتها، ولبنان وحربه، كما حراكنا الذي تخطى حدود دويلات شرقي المتوسط على مدى عشرين عاماً.
■ ■ ■
توقفوا عن الصراخ وعن الضجيج، فلم يبق من الانسان فينا شيء سوى الغواط. لنتغوط جماعة علّ التراب يعلو الباطون، فنسمح للياسمين أن يبني له جذراً. بل ربما «اتبع طريقة رجب ذاتها: أن أدفع الامور الى نهايتها... لعل شيئاً بعد ذلك يقع». لقد وقع الانفجار حتماً ولا مكان للاختباء. كل المدن مفتوحة على المستحيل وكل القرى جبهات قتال. أنا لا أحبّ المتاريس ولا أصدّق بأنّها تحمي من تأتي ساعته. رأيتني أمشي معك وسط الشارع ونحن نغني اغنية الطفولة «هيا طر يا غرندايزر». لدينا نقص هائل في أغاني الأطفال ايضاً. ربما لاننا نختصر الطفولة بسرعة هول المصيبة عند سقوط القذيفة وعند اكتشاف قصص رعب المعتقلات في عمر العاشرة.
■ ■ ■
في شرقيّ المتوسط اليوم، مَن يقتل باسم النظام، ومن يقتل باسم الثورة ومن يهلل لهذا وذاك، وفي جنوبيّه أيضاً وفي امتداده في الصحراء. في صفحات الرأي وفي جلسات المنظرين هناك من يقول: «أنا نبيكم فاتبعوني»، فأرفع رأسي، أشكر السماء أنّها لم تفض بنبوتها على النساء. لا قدرة لي على امتلاك اليقين وفي حالة عدم الوضوح، لا رغبة لي في الوصول إليه. القلق أكثر صدقاً وتواضعاً اليوم. ليس في داخلي من الغرور ما يكفي لأقول إنّ هذا هو الدرب فاتبعوه.
■ ■ ■
لا يموت أحد، إنّها كلها فبركات الإعلام المزيف. إننا شعوب لا تموت بل تصعد مباشرة إلى السماء. أنا لا أريد أن أصعد إلى السماء! أريد أن أحفر مترين في الأرض لكي أضع رأسي بين روائح الزعتر البري والقصعين وليأكلني الدود. أريد أن أندثر بسلاسة من دون أن يبكيني أحد. إنّ دموع المارة على شبكة الإنترنت تشعرني بالانتهاك والفشل والإرهاق. هذه الصور التي لا تمنع الموت، لا تقوم إلا بتمجيد القتل والقاتل. يا ليتني مت خلال تلك الأيام حيث لم يكن هناك إضاءة. كااااات. توقفوا عن التصوير.
■ ■ ■
بحثت عن الرواية، لتذكرني بأنّ رجب، بطلها، كان قد خان رفاقه في السجن، وبذلك ضمن خروجه بعد خمس سنوات ولم يضطر إلى إكمال حكماً بأحد عشر عاماً. لم يكن ذاك السجين بطلاً إذاً، أو كان؟ هل وددت لو تحمل أيهم، وعاش ربما لسنين خمس تحت التعذيب؟ هل تمنيت لو أنه أفضى بما يعرف فعاش؟ أي خيار ثوري ذلك الذي لا نختار فيه الحياة، بل موتاً أكثر رحمة؟ ولماذا ما زلنا، جيلاً بعد جيل، الآن هنا، أربعين عاماً بعدما قضى رجب على صفحات رواية منيف؟
■ ■ ■
لسنا وحدنا ضحايا لعنة الجغرافيا وميثولوجيا طائر الفينيق. أمك ما زالت تحوك لك شالاً تلو آخر بانتظار عودتك لتعيش أو تموت مجدداً، ها هنا عند الناصية حيث كنا نأكل شاورما الدجاج مع الكثير من الثوم. أتذكر حوارنا عندما أهديت إليك «سأخون وطني» للماغوط! أتذكر أنّك وعدتني بأنّنا لا ننتمي إلى خواء البطولة هذا، وبأننا لا نتعاطى السياسة كما تفهم في مجتمعاتنا... سياسة الكذب. ماذا أفعل أنا الآن؟ يا ليت هذا المقال عنك ليس بمقال سياسي. يا ليتنا نستطيع أن نصنع سياسة خارج أقطاب اليقين، سياسة إدارة الحلم في لحظات القلق. سياسة الوجود اليومي خارج سطوة من يحمل الحقيقة مهما كانت جميلة. ما هي الحرية يا أيهم؟ هي عندما كنا نتسابق لنلامس وجه القمر. كيف أعرف الحرية وأنا في حداد؟ حجر مكان قلبي وعقلي يشعر بدوار لا يتوقف! كيف أحميك من موتنا؟ كيف أسامح نفسي؟
■ ■ ■
في الرواية، ينصح أحدهم رجب قائلاً: «يجب أن تحوّل أحزانك إلى أحقاد، وبهذه الطريقة وحدها يمكن أن تنتصر. أما إذا استسلمت للحزن، فسوف تهزم وتنتهي». لا أحب الحقد، لا أحترمه. لا أحب الحقد، فالحقد يغذيه اليقين والغرور. وربما لا أحب الحزن أيضاً. لكني أجلس إلى جانب هذا الحزن وأرعاه، قد يحميني من الافتتان برأيٍ ما، قد يحميني من اليقين.
يتحول حزني قلقاً، قلقاً أحمله بمشاعري وفكري في آن واحد. قلق يخشى خسارة أيهم آخر، فيتساءل ويُسائل. قلق ينتصر على الاصطفاف والعداء. قلق يدرك أن الدرب اليوم ما زال أطول من أن نتلمس تعرجاته. قلق متواضع لا يدعي امتلاك الحقيقة، ويستمر في البحث والتساؤل.
على تلك الدرب، ابتسامة أيهم بوصلتي لا موته.

بقلم: ايلينا ناصيف ومزنه المصري
نشرت هذه المقالة في ملحق خاص من اعداد "صوت النسوة" على موقع صحيفة الأخبار بمناسبة يوم المرأة العالمي بتاريخ ٨ آذار ٢٠١٣ 

Bitter Words

I love learning you see, I always did.. in fact it is one of my most consistent sources of motivation.. even more than love, ambition, and definitely more than any earthly desire. So why then am I resisting it? Why is it that instead of reading about corruption and the state (which I really do want to learn about) am I looking up the words fro Sheikh Imam's song "dour ya kalam"? If my desire was "to know", why would I, a couple of decades after reading Freire for the first time and preaching about participatory education and the centrality of the lived experience in a person's learning choose to fly for 5 hours and isolate myself in a foreign country to "learn"? A country that forces me to write in a language which, 5 years on, I still do not own. Knowledge packaged from an external perspective which places me as I read it outside of my own communities and outside of my natural gaze. A space that finds my engagement in the most vibrant time in my part of the world a "distraction". I am required to leave the place I call home for that learning, not to learn about other places and worlds as traveling allows, but to isolate myself from that same place I want to study and produce what academia approves of about it.

But damn are my mind and spirit defiant. They keep on taking me back to my language, building walls between myself and the institution by which I aim to be endorsed.. and make finishing this PhD way too difficult.

خبيصة

بهالثورات، خابصة هويتي منيح معي.. مش عمبعرف، يعني كفلسطينية ركز على موضع التمثيل الفلسطيني ولا التصور الشعبي الشبابي، ولا حملة انا ٤٧.. ولا كلبنانية على اسقاط النظام الطائفي، ولا على مصر اللي جاي النيوليبرالية تاكلها؟ ولا على ليبيا اللي جاي الامبراطورية تنيكها؟ ولا على البلدان اللي عمتشتغل على التغيير برواق مثل البحرين؟ ولا علي اليمن اللي ما حدا دريان فيها؟ ولا على وضع المرأه بكل هالمعمعة؟ ولاعلى شو ممكن تقدم الأكاديميا.. او الجمعيات او حراكنا الاجتماعي والسياسي.. طيب ولا بشتغل مع الأصحاب بلبنان؟ ولا بما اني بلندن بنقيلي موضوع مثل مقاطعة الشركات الاسرائيلية..
اف.. بطلع بالآخر مش عمبعمل حتى الشغل اللي بيطلعلي مصاري تأدفع ايجاري. وماكسيموم يعني، ماكسيموم.. بغير الستاتيس على فايسبوك

نجمة

يقف الظابط مذهولاً امام الحشود.

"من اين اتى هؤلاء، اين كانوا، وهل غابت عنهم بصمات الأعوام الثلاثين التي قضيت اغلبها اتدرج زاحفاً الى رتبتي هذه؟  كنت انتظر ترقيتي آخر هذا الشهر بعد انتظار اعوام اربعة. ربما تمكنّي زيادة الراتب أن استكمل جهاز ابنتي او اشتري للصغار جهاز الكومبيوتر الذي يحلمون به. ربما كانت لتضيف النجمة الجديدة على كتفي هيبة تستشعرها زوجتي التي منذ ما يشابه القرن باتت تتمنع كلما توددت اليها. ربما تسمح تلك النجمة لهذه القامة، او بعض منها بالانتصاب.

من هؤلاء الذين يملؤون الساحات ويظهرون اليوم على الشاشات باسمين .. من هي تلك الفتاة ذات الشعر الأجعد التي باتت تظن ان المكان والزمان ملكها؟ من تلك الأخرى تندد بالتعذيب في السجون؟  التعذيب.. هو ان تكون الفاعل والمفعول به اقول.. التعذيب ان تقف بين بدي ظابطٍ يكبرك نجمة او نجمتين .. يتخلص من ذل ظابط يزيده نجوماً عبر اذلالك.. فتعود انت الى مجنديك وسجنائك تحمل ذلك وذل مرؤوسيك.. هذا هو التعذيب.. هذه هي الأثقال التي تتطأطئ  تحتها قامتي. وتسأل نفسك، اين اتخلص من حملي هذا؟ اين أُخفيه حتى لا تراه زوجتي حين اعود الى منزلي هذا المساء؟

انا لم اختر ذلك، لم أختر ذلك.. قيل لي "كلية الشرطة المصرية"، أبي أرادني ظابطاً ليزهو بي. أبي ارادني ظابطاً كي اعيل عائلتي لأنه هو لم يتمكن من اعاله عائلته. رحمك.. وسامحك الله يا والدي.

ها هو امامي، احدهم. العلم المصري على كتفيه، في يده شعار لأسقاط ذلك الذي كان سيأمر بترقيتي وزيادة راتبي. ها هو يمر امامي باسماً مزهواً بقامته. ربما لو رأته زوجتي لأختارته دوني. نهار عملي انتهى لكن لا قدرة لي على العودة الى المنزل. ماذا اقول لها الليلة؟ كيف اخبرها عن غدٍ لا اعرف معالمه؟ لا زيادة في الراتب ولا في النجوم بل متاهة غموض تبتلعني. من سأكون غداً؟ من اكون دون النجوم على كتفي."

يُخرِج الظابط مسدسه. يتردد لثواني.. يصوبه على الحشود. يعود ويصوبه على صدغه. ترتجف اصابعه قبل ان تطلق النار.. على نجمة في وسط علم على كتف شاب يحمل شعاراً مطالباً باسقاط النظام

بحثاً عن سلام

كُفي يا رفيقة، لقد تعِبت. فلتهدئي قليلاً، أو فلتسمحي لي الابتعاد عن صخبك. تعِبت، غير أنه، بقدر رغبة الخلاص منك، بي شهوة لكِ، كشهوة إمرأة لزوج يعنفها، أو رغبة سكّير بمزيد من الخمر. أشتهيكِ وأبغضكِ في آن. كيف لا، وأنت ما زلت عصية على مداركي؟ كلما اقتربت منكِ احترقتُ وان ابتعدت تهت. هكذا انتِ، كرجلٍ ينأى عن الناس بهدوئِه وصمتِه، فيشدهم إليه بوتر الغموض. لكني ان تبِعتُكِ تألمت، وان تمنعتُ عاد إلي التساؤل عن تلك التي في يومياتي، منذ ان كنت في الثالثة من عمري، الأبرز والأكثر حضوراً.

أجدُكِ في كل صور طفولتي. وبعد، ما نظرت إلى أي من صوركِ، حتى ولو كانت من بلاد قصية، إلا واستذكرت تلك السنين الأولى من عمري. أتعلمين؟ كنت في صغري احسب ان الحياة كذا، تمر عليها المعارك كما توالي الفصول، يوم مشمس يتبعه حُكماً يوم ماطر. حتى ابتعدتِ، وإن لحين؛ أدركت حينها أن للأيام وتيرة أكثر اتزاناً في غيابك. وتيرة لا اعرفها فأنا في ضوضاء عفويتكِ، وتلك المزاجية المفرطة، نسيت أن أتعلم كيف تنتظم الحياة بغير إيقاعك. أنت عنوان أول ما كتبت، وبسببك تعرفت على عشقي الأول، ولسبر غورك اغلب ما درست وقرأت. أنت أول ذكرياتي، وعبرك تعرفت على الكثير من الأصدقاء. حتى تجاعيد جبيني من نحتك.

كيف لكِ اذن، بعد ان نسجت يومياتي على نولك ان تظهري لي كل هذه القسوة؟ كيف لكِ ان تسرقي مني مستقبلاً وتملئي أيامي عنفاً؟ تسبغين علي الدموع وتملئين قلبي حزناً في زياراتك المتكررة، وأنا لم أجرؤ يوماً حتى على تجاهلك. ألهذا تؤلميني؟ اتنتقمين ممن يحاول فهمك ام ممن هم اقرب إليكِ؟ لا ألومك وحدك، اعرف ان هناك من  أرسلكِ الى بلادنا، ان هناك من أكرمَكِ ورحب بقدومِكِ، واستغلكِ. اعرف.. ولن أقول أنكِ وحدكِ المخطئة. لكن كيف لي أنا التي ألِفتُكِ أن أحتمي من غدرك؟ 

اقول أُلفة بيننا، ولا اعرف ما الذي يجمعني بك، هل أنِستٌكِ أم أني فقط اعتدتكِ رفقتكِ؟ اقول رفيقة لأنكِ رافقتِ ترحالي وإن دون رفق ولين؛ ربما أخطئ في تسميتكِ.. كيف اسميك يا غريبة قريبة؟ لا لستِ بغريبة، فأنتِ مثلي ثمرة هذه البلاد.. هل أسميكِ صديقة؟ هل أسمي ما بيننا عِشرةً أم صُحبة؟ أسماؤك تستعصي علي كما فهمك. كيف لي إذن الرحيل عنك؟ كيف وأنا لست أعرف عما أبتعد؟ لا قدرة لي على الرحيل.. هل لكِ انتِ أن تغادري وتتركيني ببعضٍ من سلام، رفقاً بي يا ابنة العم؟ شدي رحالك وافسحي لي بعضاً من الحياة دونك، لأعرف ما قد اكون لو لم تكوني

Shibboleth by artist Doris Salcedo
Photo by wonderferret, republished (with thanks) under an attribution genrric 2.0 creative commons license.

عن المعلومات و فروعها في العالم العربي

اشارك اليوم في اطلاق كتيب وفيلم عن استخدام المعلومات - خاصة عبر الوسائل التقنية الحديثة - في العمل المطلبي والمناداة. الكتيب والفيلم يعرضان لخبرات العديد من الناشطين والناشطات في العالم ونسبة جيدة منهم تعمل على قضايا خاصة بالبلدان العربية، كالتعذيب في مصر، حرية التعبير في تونس، والنزاع مع اسرائيل من لبنان. الاطلاق يتم اليوم في لندن، لكن بيروت ايضاً على موعد لاطلاق الكتيب والفيلم الذي ترجم الى العربية في ١٢\١٢.

اكتب هذا اليوم حتي اتمكن من توصيف العقبات في اللقاء هذا المساء، وربما ايضاً للتأمل في استخدام المعلومة في عملنا كناشطين، علّنا نطالب حكوماتنا بالمزيد منها، وربما لأسمع منكم ما يمكن ان يضيف على مساهمتي اليوم. وللحديث تتمة ان اردت الخوض في جانب النشاط في باستخدام الوسائل التقنية، والحديث عن حال الانترنت في لبنان مثلاً، او خدمات الهاتف الخليوي وتكلفته.

ما الذي اضيفه الى لقاء اليوم؟ ماذ ا اقول لهم عن كيف وظفنا المعلومات في عملنا المطلبي؟ في اوقات الحرب.. طبعاً، في انتهاكات بلداننا لحقوق الانسان، احياناً (مع تعريض العديد ممن فعل ذلك حياته للخطر). لكن حين ابحث عن التغيير بمعناه طويل الأمد، ذلك الذي يغير بنى انظمتنا السياسية، ويؤسس لعلاقة لنا مختلفة مع السلطة، اتساؤل حكماً عن علاقتا بالمعلومات، وبمفاهيم مثل حرية الوصول الى المعلومات التي تشكل جزء اساسي من المشاركة في الحكم.

لا اضيف جديداً ان قلت ان  حكوماتنا بالأغلب لا تشاركنا المعلومات، حول عملها، كيف تصرفت بميزانيتها، كيفية اجراء معاملاتنا، ولا تقوم بنشر المعلومات الأساسية التي قد نحتاجها في حياتنا اليومية (مع بعض الاستثنائات طبعاً، منها تفاصيل الانتخابات النيابية الأخيرة) وفيما يلي بعض الامثلة من حياتي انا اليومية:

١. في بيروت شبكة للنقل العام، تسير الفانات والباصات فيها بحسب خطوط منظمة مسبقاً، ولكن خريطة هذه الخطوط، واوقات وصول الباصات غير متوفرة. اعرف ان خريطة للباصات طُبعت وتوفرت للبعض من حوالي ست سنوات، لكنها غير متوافرة اليوم .. لماذا لا يمكننا ايجاد هذه الخريطة على موقع وزارة المواصلات مثلاً، او داخل الباصات؟ لو اردت اليوم الوصول من الأشرفية الى برج البراجنة، كيف اعرف اي خط من خطوط الباص هو الأفضل؟ طبعاً، يمكنني او سؤال صديق متمرس بالتنقل في وسائل النقل العام، او احد سائقي الباصات (وارجو ممن مازال بحوزته نسخة عن تلك الخريطة توفير نسخة منها على موقع الكتروني ما).

٢. الضريبة البلدية: دفعت العام الماضي حوالي ال ٨٠٠ الف ليرة لبنانية ضريبة لبلدية بيروت على القيمة التأجيرية، مَن مِن المقيمين في بيروت يعرف كيف يتم حساب الضريبة البلدية، والتي يدفعها الجزء الكبر منا سنوياً؟ كيف يتم استخدام هذا المبلغ؟ موقع بلدية بيروت الالكتروني يقدم الكثير من المعلومات، التي يعرضها بأقل الوسائل جاذبية وبالكثير من المشاكل التقنية، ولكنه لا يجيب على الاسئلة اعلاه. الانتخابات البلدية على الابواب (ربما، ان توافق الزعماء)، ولكن، هل من وسيلة لنا لمعرفة ماذا انجز فعلاً المجلس البلدي لنحاسبه او نكافئه؟

٣. كنت قد تقدمت هذا الصيف الي وزارة الثقافة بطلب تمويل فيلم. في الوزارة، صندوق للسينما يمكن لأي مخرج او مخرجة التقدم منه بطلب تمويل (وهو امر رائع، رغم ان ما يمكن الصول عليه من تمويل لا يتعدي العشرة آلاف دولار). الطلب متوافر على الموقع، لكن دون تحديد مهلة نهائية لتقديم الطلبات (رغم وجود مهلة ان تأخرت عنها تم تأجيل طلبك للعام القادم)، لا تفاصيل عن طريقة اختيار الفائزين بالمنحة، وطبعاً لا اعلان حين يتم تقديم المنح عن الفائزين واسباب اختيارهم، فتسهل دون شك المحاصصة او الواسطة دون قدرتنا على اكتشافها او نقدها.

هذا ما بتعلق بالحاضر (وانا لم اتطرق حتى للمعلومات التي قد تكون مغلوطة، مثل امكانية ان  يتسبب انفجار اطار بمقتل ثلاثة اشخاص) ، وان اخترت ان اتعمق لتكلمت عن عدم وجود ارشيف وطني، فلا معلومات لذاكرتنا، او عن المستقبل، وفيه عدم اشراكنا بالمعلومات عن الخطط المستقبلية (هل نعرف متي تنتهي اشغال البنى التحتية في بيروت؟)، ولم اطلب بعد مشاركتنا في اخذ القرار حولها.

وطبعاً، ليس منطق تغييب المعلومة حصراً بالدولة، فهو حاضرٌ في اماكن عملنا (هل هناك سلم للرواتب واضح في كل المؤسسات التي نعمل او عملنا فيها)، وهو جزء من منطق تعاطينا مع المعلومة، التي نفترض عدم وجودها بشكل مكتوب، ونحاول دوماً الحصول عليها بشكل شفهي، من افراد لديهم الخبرة العملية فيها.

يبقى ان العديد من مؤسسات دولنا لديها طبعاً فرع للمعلومات، اظنه نسبياً منظم، وأرشيفه غير مهدد بالضياع، لكن معلوماته التي يجمعها هي عن مواطنيه لا من اجلهم، للأسف

غزل في شارع الحمرا

بالعَتمة ناطر ما بتحكي
وحيد، حزين، ومعصََّب

عالبار، مع كاس الويسكي
بتقللي بعيونِك مُعجب

بحسّ، انا وحدي ما في غَيري
بتداوي قلبك المعذَب

"شعرِك، صوتِك، هزة خصرِك
عطرِك، غِنجِك، رنة كعبك"
بتتغزل فِيّ، ما بتتعب

دُم تك، دُم تك، دُم دُم تك تك..  
عتختك، ببيت مكركب..
***


شي ليلة بعد، بنفس البار
وحدَك بالعَتمة، والصبايا كتار
بتقللن عن شَعرُن، عن صَوتُن، عن غِنجُن..
عن قلبك المعذب

وعَيْنَك بتسرح.. علىِّ وعغيري
وبِدَينتي بتهمُس انك بتغار

بتحبني؟ طبعاً، متلي متل غيري
بقلبك محيّر، بأ**ك محتار
***


صراحة يا حُب؟

غزلك مكَرر
وحكيك مهرهر
وكل اللي بعدي بتحبن اكتر

غَزَلك مكَرر
وحُبَك مهرْهَرْ
وكل اللي قبلَك حَبيتُن اكتر

ونصيحة مني.. غَيّر هالبار


متاهات اخلاقية بيروتية

الأحد صباحاً. تمنعت عن مشاريع عدة، بحراً وجبلاً بسبب العمل المتراكم. على الرغم من حرارة ورطوبة صباح آب، انا في منزلي وفي نيتي العمل. انا في منزلي ولكن منزلي بدون كهرباء. ليس انقطاع الكهرباء في موعده وقد تعدى الثلاث ساعات التي اعتدناها. كما الأحد الفائت. بل كما الجمعة، السبت، والأحد الفائت - ثلاثة ايام دون مصعد (ومنزلي في الدور السادس)، دون ماء لأن مضخة الماء تحتاج للكهرباء لتصل الى الطوابق العلوية. دون كهرباء اي دون انترنت، وبطارية كمبيوتري المحمول قصيرة العمر. هذا منزلي، فما رأيكم حال صاحب الدكان في المبنى وبراده الممتلئ بالمثلاجات التي ان ذابت ذهبت بكل ارباح شهره؟

ذهبت الى المقهى القريب، حيث تربطني بالعاملين صداقة عمرها من عمر ساعات الكهرباء المفقودة في منزلي. في المقهى دفعت ثمن الكهرباء والانترنت عبر فنجان قهوة يفوق سعره سعر دزينة في منزلي. حين عدت الى المنزل حوالي السابعة مساءً، كانت الكهرباء قد تنعمت على بعض سكان المبنى دون غيرهم. السبب؟ علي ان اخوض هنا بواحد من آلاف مشاكل الكهرباء في لبنان: تغذي منطقتنا كما اغلب المناطق في لبنان، ٤ خطوط كهرباء (٣ حامي و١ بارد، ان اردتم التفاصيل). احد هذه الخطوط معطل اليوم (كما الأسبوع الماضي)، و صادف ان بيتي كما بيوت بعض الجيران متصل بالخط المعطل. لكن الحل بسيط، ما علي الا ان اطلب من احد "المطّلعين كهربائيا" ان يعيد وصل خط منزلي الى احد الخطوط العاملة. "سهلة"، كما قال ابو طلال:
مزنه: اوكي، بس ما بيعمل مشكلة هيدا الشي؟
ابو طلال: ابداً، غيرت الخط لباقي الجيران

مزنه: بس ما بيصير في ضغط على الخط اللي منعلق عليه، وبيرجع بيتعطل اسبوع الجاي؟

ابو طلال: يمكن، بس شو بدك تعملي، بتضلي بلا كهربا؟ بعدين هلق فرقت عخطك؟
فعلاً، "فرقت عخطي"؟ الليل ما زال في اوله، والعمل كما حر الليل دون مكيّف بانتظاري. هل يشكل قراري الفردي باحترام النظام فرقاً؟ هل ان التزمت ستتغير حال البلاد والعباد وان بعد عام عامين او عشرة؟ للعلم:

- جابي الكهرباء وصل الى بيتي اليوم. ودفعت له ١١٧ الف ليرة لبنانية، اي حوالي السبعين دولار امريكي، وانتظر فاتورة اكثر اهانة لجيبتي في اشهر الصيف الحارة التي اتنعم خلالها بالمكيف. وانا لم اتمنع يوماً عن دفع فاتورة الكهرباء -رغم كل مشاكلها وانقطاعها.
- لم اتأخر يوماً عن دفع الضريبة البلدية - وان كانت البلدية حفرت شارع منزلي ما لا يقل عن الأربع مرات في عام واحد، وورشات الاعمار في الحي تستمر باقلاق نهاراتي بضجتها، وشارع المنزل بالخراب الذي تسببه دون اي رادع "بلدي".
- لا اخالف القانون في قيادتي، فاحترم اشارة المرور، واتجاه السير - وان كانت السيارات تتخطاني، فابقى وحدي كما فيروز، "على مفرق" اشارة. وان كان ذاك الذي تخطى الاشارة الحمراء وصدم سياراتي بسيارته ذات الدفع الرباعي، يقود يومياً دون مخالفة وانا سيارتي تنتقل من ميكانيكي الى آخر منذ شهرين.
- لا ارمي النفايات في الشارع، ولا حتى اعقاب السجائر - وان كانت نفايات المدينة مجتمعة (وخاصة تلك التي تقيم في مكب صيدا) تذهب في رحلة بحرية كلما ضاقت بها السبل.
- اقاطع بضائع الشركات التي اعارضها اخلاقياً (ونستله من ضمنهم طبعاً)، وان كنت لا اعرف اين تستثمر البنوك اللبنانية اموالنا واذا كانت تدقق باخلاقية استثماراتها.

ادّعي اني مواطنه صالحة، قمت بواجبي الانتخابي نيابياً وبلدياً في كل انتخابات من ١٤ عاماً (وان بورقة بيضاء)، واشارك، بل انظم المظاهرات والتحركات في المناسبات المصيرية. لكن العمل وحر الليل بانتظاري.. هل علي ان اكون دون كيشوت في وكل لحظة و لكل قضية؟

الحل؟ تقنياً، على عاملي شركة الكهرباء فحص الخطوط في منطقتنا، لمعرفة اياها محمل فوق طاقته، واعادة توزيع الحمل لضمان عدم حصول اي اعطال أخرى. على الشركة ان تضمن لنا خدمة تصليح الخط المعطل ولو في ايام الإجازات والآحاد. وعلى المدى البعيد، على نوابنا الأعزاء، محاسبة الشركة، وسارقيها من سلطاتنا، على سوء حال الكهرباء في هذه الكيلومترات التي نقيم عليها. ونحن، علينا ان نحاسب نوابنا ومن يدعي تمثيلنا.. على الاقل على نظام الصيانه في شركة الكهرباء مثلاً، لكي نتمكن من التمنع عن العبث بغرف الكهرباء.

لمن ما زال يتسائل، انهزمت البارحة، وربح ابو طلال. وصلت الكهرباء في منزلي بالخط العامل وان مع بعض الغصة.
هزائم صغيرة وتنازلات صغيرة، لكن يومية. ولكتي فعلاً، وبدون ادنى شك، ما زلت احلم بمجتمع صحي، بسلطة تدير شؤوننا دون فساد، بالعدالة وحكم القانون، وبفلسطين حرة


ميزان

ثلاثة أطفال.
ثلاثة أطفال وعملان، احدهما صباحي، والآخر مسائي.
ثلاثة أطفال، عملان، وزوجة لم يعد يحبها.
ثلاثة أطفال، عملان، وزوجة، والعديد من العشيقات، لكن قلبه ملك لإحداهن فقط.

حبيببة واحدة.
حبيبة واحدة، وحين يتكلم عنها اوحتى حين يستحضر صورتها، ترتجف شفته السفلى، ويتعثر صوته.
حبيبة واحدة، لكن حضوره معها، كمجالسة أم لوحيدها يحتضر.
حبه لها يؤلمه ويؤلمها. حب محكوم بلانهائية الغرام، إن وئِد ولم يحظى - بتغير العشاق أو مرور الزمن - بنعمة الاحتضار.

في كفة الميزان، ثلاثة أطفال، عملان، وزوجة، والعديد من العشيقات، ومعهم تربية تقدس الحياة العائلية.
في الكفة الأخرى، حبيبة واحدة

سلطان الباذنجان

يروى عن رجل من هذا الزمان، معيل أسرةٍ، وأب لطفلان. كان لصديقنا في شارع المرجان مكان، بيبع فيه ما لذ وطاب، لكن هواه كان للباذنجان. يشويه او يقليه ويطيبه برب الرمان. خلوقاً كريماً كان، فأحبه الناس وذاع سيطه على كل لسان.

الأمير لم يعجبه أن يكون لغيره السلطان. أمير القصر على التلة، الذي يجمع المال والأعوان، رغب بشراء الأرض التي تستضيف الدكان ليبني مكانه لزواره خان. لكن السلطان يقدر اعتياد الزبائن على الدكان بأغلى الأثمان، أما الأمير فيرى في الباذنجان تتفيهاً لشارع المرجان. فدار بينهما النزاع، وكل منهما على رأيه لا يحيد. الأمير يعرض المال على السلطان ويزيد، الذي بدوره يتمنع ولا يريد... حتى ليلة في آخر نيسان، وشارع المرجان فارغ الا من رجال امير الزمان.. اشتعلت بزاوية الدكان النيران، فكبرت وتعاظمت ولم تبق أى أثر او بيان. كبرت وتعاظمت بكبر أسى السلطان، الذي خسر ما ادخر للأولاد والأحفاد. كبرت وتعاظمت، بقدر غطرسة الأمير، الذي ضمن السيادة على البلاد والعباد.

الى خارج شارع المرجان انتقل السلطان، بعد ان نال تعويضاَ من الأمير السخي المعطاء صاحب الأيادي البيضاء، فتات ما جنى من ثروات في الخان. وعلق السلطان، باستقبال كل الزبائن والأخوان، صورة الأمير بإبتسامته العريضة وكرشه المهيبة، في زيارة تضامن ومواساة للدكان يتكرم بتذوق الباذنجان. علق الصورة وأعلن الولاء التام الأمير دون أي نقصان... وللولاء، الخوف أقوى ضمان

الحرب الأهلية.. في شارع الحمرا فقط

في ١٣ نيسان من كل عام، نستذكر حربنا الأهلية التي عايشناها ١٥ عاماً. السنة أخذت بعض الصور لجدران المدينة التي استذكرت معنا، وإن كنت ما وجدت التضامن إلا على جدران الحمرا.. هل شوارع الحمرا فعلاً وحدها التي تتذكر، وتنسى الحرب شوارع المدينة الأخرى؟

فنجان القاضي

تزدان الطريق من المنارة الى الى الروشة في مثل هذا العام بزهرة اعرف من أسمائها "فنجان القاضي" أو "ورد الحصان" .. لقد ازهرت ايضاً هذا العام، مع كل الامتنان لمساحات قليلة في بيروت مازالت تسمح لها بالظهور

ياسمينة

كان يملأه رجفة ذاك الصراخ. يشعر وكأن قلبه يرتعش داخل أضلعه كأغصان الياسمينة الرقيقة الرابضة في زاوية الشرفة. ما زال بإمكانه ان يستحضر هذا الشعور اليوم، فيعود طفلاً في الثامنة. هي اليوم مثلها، وكأنه، هو الهارب من ضجة منزل والديه، اختار إعادة تشكيل تلك العائلة في منزله الجديد. بل كأن العلاقات الزوجية، كالأمراض، نتناقلها بالوراثة.

لم يفهم يوماً القلق الساكن فيها، رغم انه ربما يعرفها أكثر من أي شخص. أمه التي يحب. امه المرحة اللاهية، التي تراقصه في ساعات المساء المبكر، وتشاركه ارتشافها لكوب النبيذ .. امه الجميلة، كما نجمات الأفلام الإسبانية، بالشعر الأسود الطويل واحمر الشفاه والكعب العالي. امه تلك التي يحب، كانت كأنها تخفي امرآةً أخرى في داخلها.. امرأة روحها على حافة بركان، يثور فيملأ زوايا المنزل، ويقطن في الوسائد والأسرة، في كوب الشاي ورائحة الخبز، في حمامه الساخن قبل النوم، وفي نعاسه، فيشد جسمه الصغير كوتر قيثارة باكية.

ربما تَعانُق الضوء في الزوايا يعيد تشكيل نفسه بالهيئة ذاتها مرة كل عشرين عاماً.. فيعيد للذاكرة مشاعرها.. فجر ذاك اليوم الخريفي.. وبكرهما ما زال في شهره الأول.. عاد اليه ذاك الاحساس.. كان صدى صوتها ما زال يطوف أرجاء المنزل وهو، في زاوية غرفه نومهما.. في آنٍ الطفل ابن الثامنة، والثلاثيني المتواري مع طفله اتقاء من بركان زوجته. عاد اليه الاحساس والطفل بين يديه مشدود كوتر قيثارة .. أراد أن يرحل معه وبه عن ذاك الخوف الساكن فيه.. بل ربما أراد له أن يعرف ام واحدة دون تلك التي تتقمصها..

أخذه الحلم، في رحلة الشمس الى مساحة أكثر واقعية.. على وقع انفاس طفله ونشيج زوجته من زاوية بعيدة.. أخذه حلمٌ انه ربما لم يزرع ياسمينة في هذا المنزل بعد

قط وزواج

لم تعد تحبه. لا تدري ان احبته يوماً. تدرك انها في زمن ما كانت تخافه. ربما سكن بينهما بعض من الحنان يوماً، ربما. واليوم، عقود بعد ارتباط حياتها بمزاجه، بات يذكرها بقطها الأسود المرقط. يجلس في زاوية منزل لهما، مستكين ضعيف، كثير الطلبات، فيمنحها سلطة التذمر. كيف كان وكيف اصبح! كيف كانا وكيف اصبحت!

قبل ان تغادر منزل اهلها، تلك المرة الأخيرة النهائية التي رسمت معالم حياتها، سكن قطٌ فناء المنزل. رغبتها في التقرب من القط امتزجت برهبة منه. رهبة لم تكن تظهرها. بقيت لسنوات تلاعبه وفي داخلها رعب تقمعه خجلاً. حتى ذلك المساء..

الشمس كانت تغادر سماء خريفية، والقط قابع مستكين في زاوية الفناء، فقد اعماه حجر رماه احد اشقياء الحي. قابع مستكين كان، والنمل يُولم على عينيه. مستكين كان، لا احتجاج يصدر منه ولا حتى مواء. بلى، ربما استغاثة خافتة اختارت اغفالها. رغبت ان توبخه.. لكن شعورها باحتقاره كان اقوى. رغبت ان تساعده.. لكن جاذبية غياب الرهبة منه كانت اقوى. دام الغروب دهراً، كأن الشمس، مثلها تتردد في المغادرة.

كيف كانا وكيف اصبحت!
كيف كان وكيف اصبح! بات يذكرها بقطها الأسود المرقط

كعكة الجزر والمشاع الإبداعي

عندي من امي دفتر صغير بخط انيق، ممتلئ بخبرة ٣٠ عاماً على الأقل، قدم لي دون اي مقابل .. ودفترها، المزين بالطحين والزيت، ممتلئ بوصفات استعملت مئات المرات

وعندي خط ساخن، مفتوح دوماً للاتصال بأختي، او زوجة عمي العزيزة.. كلما فكرت بتحضير طبق من الطعام فيه من التعقيد القليل مما يفوق شوربة العدس..

ومنهن، وغيرهن من الأحبة والصديقات، علب بلاستيكية امتلأت يوماً بالكثير من الحنان، اعيدها (وقد لا اعيدها) فارغة..

الى الأمهات اللواتي يملكن وصفات الطعام السحرية تلك، الناجحة دوماً...
الأمهات اللواتي ان زرناهن في اي وقت وجدنا وجبة تدفئ قلوبنا..
الأمهات اللواتي يهبن خبرة راكمنها عبر سنين، برحابة صدر ودون اي مقابل .. لا بتحضير الطعام فقط، بل بالفن والطب وعلم الاجتماع ايضاً.. فتصبح بذلك عمومية، ومفتوحة المصدر .. يعني
open source and with no copyright restrictions, not even attribution

والأمهات القادرات، في يوم واحد، على تحضير وجبة الطعام تلك، تدريس اطفالهن، تحضير رسالة الماجستير، تنظيم اعتصام لمناصرة الامهات في غزة، اعداد التقارير الاجتماعية او السياسية، والعمل بدوام كامل ...

اليهن، شكراً لكن على كل الوصفات والوجبات التي وهبتموها لي.. وماما، شكر خاص على وصفة كعكة الجزر

وأيضاً ... نهر البارد

مرة أخرى نعود الى مخيم نهر البارد.. قاعدة بحرية يقرها مجلس الوزراء اللبناني، ومازال المخيم مدمر، وأهله مهجرون. فيما يلي نص الرسالة التي ارسلها اهالي نهر البارد الى رئاسة المجلس ووزرائه

رسالة موجهة من أهالي مخيم نهر البارد الى مجلس الوزراء اللبناني
مخيم نهر البارد في 23 كانون الثاني 2009

نحن أهالي مخيم نهر البارد المدَمر، نتوجه إليكم معترضين بشدة على قرار مجلس الوزراء اللبناني الأخير بتاريخ 16 كانون الثاني 2009 لإقامة قاعدة بحرية على شاطئ مخيم نهر البارد وعلى قراراتكم السابقة بإنشاء قاعدة عسكريةـ برية في منطقة نهر البارد.
هل يخفى عليكم أن الأرض التي وافقتم سابقاً على إقامة قاعدة عسكرية عليها، تقع إلى جانب مدارس “الأونروا” الابتدائية والتكميلية؟ وأن قطعة الأرض نفسها كانت ملعباً لكرة القدم - المتنفس الوحيد للرياضة في المخيم والجوار- بالإضافة إلى وجودها بين الأحياء السكنية؟
وهل تعلمون أن إحدى الأراضي المطروحة لإقامة القاعدة البحرية كانت تحتوي - قبل المعركة مع فتح الإسلام - على صالتي أفراح وأعراس وهي بمثابة متنفس هام لأهلنا وجيراننا وإخواننا في المحمرة وبحنين والعبدة وسهل عكار حيث كنا نحتفل سويا و كان ذلك مثالاً للعيش المشترك؟
هل لنا أن نفهم وبعد أن دُمرت بيوتنا، وخسرنا كل أملاكنا في أحداث ومعارك لا ذنب لنا فيها، لماذا تجري عملية مكافأتنا بهذه المراكز العسكرية؟
هل هدف الإعمار إستبدال مواقع الأفراح واللعب والحياة الكريمة بقواعد بحرية وعسكرية؟
كيف تريدون لنا أن نفسر كأهالي مخيم نهر البارد المدمر وبعد حرماننا من العودة إلى ديارنا بأربعين يوماً بعد معركة دامت ثلاثة شهور، أن نعود أخيراً لنكتشف أن ما تبقى من بيوتنا قد سرق أو نهب أو حرق؟
وعلى الرغم من الشعارات القائلة بعودة سلطة القانون، لا نرى أي ملاحقة قانونية أو محاسبة لمرتكبي تلك الجرائم التي تمت عندما كان الجيش اللبناني هو المسؤول عن تلك البيوت، إن الأمن لا يتحقق من خلال ثكنات عسكرية وبحرية وبرية ومكاتب للجيش والأمن الداخلي بغياب القانون والحقوق والشفافية.
وقد طالبتمونا - خلال وبعد الحرب - الشراكة بالمسؤولية، التي كانت لنا المساهمة الكبيرة بإخلاء بيوتنا لفتح المجال أمام الجيش ليؤدي واجبه. لماذا يحاصر مخيمنا بالجدران الإسمنتية والأسلاك الشائكة ولا يسمح لنا بالدخول أو الخروج إلا من خلال حواجز عسكرية وتصاريح وأذونات دخول يجب الحصول عليها من مراكز الإستخبارات للجيش اللبناني؟ ولماذا لا يسمح للإعلام بالدخول إلى المخيم؟
أتعلمون يا دولة الرئيس ويا السادة الوزراء، أنه بسبب هذا الطوق المفروض على المخيم قد خسرنا كل الحركة التجارية وتقطعت علاقاتنا مع الجوار اللبناني والذي كان مثالاً حقيقياً للعيش المشترك. فلا بائع ولا مشترٍ من الجوار اللبناني، لأنه يواجه مهانة الإنتظار وإضاعة الوقت على حواجزالجيش القائمة على أبواب المخيم أو الذهاب إلى مراكز المخابرات للحصول على تصريح دخول. لذا لا فائدة من المساعدات الإقتصادية الضئيلة للتجار من الدول المانحة لأن الحركة الإقتصادية مشلولة بسبب الإجرا ءات الأمنية المعقدة.
هل تعلمون يا دولة الرئيس حقيقةً أنه وحتى الآن وبعد 17 شهرا من إنتهاء المعركة ليس هناك آلية لإعادة إعمار الثلاثمائة مبنى في المخيم الجديد بسبب القانون الظالم الذي يمنع إمتلاك الفلسطيني لأرض أو شقة في لبنان؟ بأنه لا يسمح لنا حتى اليوم، العودة إلى بيوتنا الواقعة بمحاذاة المخيم القديم؟
كما وأننا نبدي إعتراضنا على تقديم حضرتكم لطلب تمويل مشروع تحت عنوان الإدارة (governance) قيمته 5 ملايين دولار” لشرطة مجتمعية” من الأمن الداخلي كجزء من مشروع إعادة إعمار المخيم وذلك من دون علمنا وبدون موافقتنا ( كما ورد في المشروع المقدم في مؤتمر فيينا).
دولة رئيس مجلس الوزراء والسادة في مجلس الوزراء ، أنتم الداعمون والداعوون ضد حصار غزة والحرب المجنونة التي شنت عليها، لماذا لا تدعمون وتساندون هذا الشعب في لبنان بمنحه: حياة كريمة دون قيود عسكرية وقوانين تمنع العمل وتمنع التملك وحتى تمنع ميراث العقارات لأولادنا.
لقد صدقنا أننا شركاء ورفضنا تصديق نظرية المؤامرة التي تقول بأن تدمير المخيم هو لإنشاء قواعد بحرية وبرية وعسكرية. ولكن لا نستطيع إلا أن نقرأ الحالة والصورة الكاملة التي ترسم أمامنا بواقعها السلبي والصعب والغير إنساني والمهين الذي نعيشه.
دعونا نعتبر وبعد أن عبرنا عن رأينا وواقعنا وعن الظروف التي تفرض علينا والتي لم تعد تطاق، بأن دولتكم الآن على علم بها.
لذا نتمنى من حضرتكم مراجعة وضع هذا المخيم المنكوب وإزالة كل المظاهر العسكرية. وتسهيلاً لحركة الناس والجوار وعودة الحياة الطبيعية المدنية إلى سابق عهدها نتمنى عليكم إزالة الأسلاك الشائكة والحواجز وإلغاء التصاريح.
ونرجو منكم إعادة النظر بمضمون القرارات التي صدرت بالنسبة لمخيم نهر البارد وخاصة بعد تدميره والأيام العصيبة التي تمر على الفلسطينيين جميعاً – ونناشدكم أن تكون القواعد العسكرية/البحرية في مكان بعيد عن المدارس والأحياء السكنية الفلسطينية واللبنانية

غزة - خريطة كثافة القصف والضحايا، ٢٧\١٢ - ١٨\١\٢٠٠٩

شارون وفلسطين الجديدة

عندما تنتهي حربنا هذه، وبعد بضع من سنين، حين نعود دولة واحدة، اسمها فلسطين، يعيش فيها الفلسطينيون العرب، واليهود ممن يرغب، جنباً الى جنب، ماذا سنفعل بشارون الذي ما زال في غيبوبته؟

السؤال ربما يبدو صعباً، ولكن دعوني اوضح ما أظنه من المسلمات:
١. سوف تنتهي الحرب على غزة، ربما بعد الكثير من الألم، وما زال في غزة مقاومة ومقاومين.
٢. بعد سنين ليست بالكثيرة، سوف تدرك حكومة اسرائيل، ان لا طائل من صراعها مع الفلسطينين (وربما خلال تلك السنين توقع المزيد من معاهدات السلام، او تشن حروباً جديدة، ولكنها ستبقى قلقة خائفة، ولن تنتصر).
٣. حين تُطرح خيارات الممكن، مع ما تبقى من تلك الحكومة الاسرائيلية، سندرك جميعاً ان لا خيار سوى بدولة واحدة، ديمقراطية تضمنا جميعنا؛ فلسطينيو الداخل والخارج واليهود الذين حملوا يوماً جنسية اسرائيلية،
لأن الفلسطينيين بعد ان ظُلموا لسنين لن يعيدوا تكرار الظلم على المدنيين اليهود. الدولة تلك ستسمى فلسطين، اولا لأن الفلسطينين في تلك الدولة الديمقراطية يشكلون غالبية، وثانياً لأن الوعي الأخلاقي لدى اليهود الباقين، كما في العالم، لن يسمح لهم حتى بالرغبة في اعادة ما يسمى اسرائيل
٤. اما عن مجرمي الحرب، ولأننا جميعاً تعلمنا من تجربة جنوب افريقيا ومن تجربة لبنان (بحسناتهما وسيئاتهما)، سنحاكم المجرمين، لا رغبة في الإنتقام (ولذلك لن تصدر محاكم الحرب احكاماً بالاعدام او التعذيب) بل لإيضاح حقيقة ما حصل، وبناء ثقافة في بلادنا الجديدة لا تتسامح مع العنصرية والاستعمار، ولكن تتطلع الى مستقبل تتعايش فيه مع نفسها.

طبعاً هناك العديد من الأسئلة التي لم نجب عليها بعد؛ ما هو نظامنا الإقتصادي؟ كيف نعيد تنظيم ملكية الأراضي والمنازل بين العائدين من اللاجئين ومن ظنوا انهم ملكوها من الإسرائيليين؟ كيف نعيد ترتيب النظام التربوي خاصة فيما يتعلق بلغة التدريس وكتاب التاريخ؟ ماذ نفعل بالمستوطنات، او لنقل تلك المباني التي مثلت سلطة الاستعمار؟ والعديد العديد من الأسئلة..

لكن سؤالي الآن، ماذا سنفعل بشارون، الذي انهى عامه الثالث في الغيبوية منذ ايام، وربما يكون حينها مازال في تلك الغيبوبة؟ لأننا بلاد عادلة، لا يمكننا الحكم عليه، تسعينياً عجوزاً، دون اعطائه الحق في الدفاع عن نفسه. ولكننا ندرك انه مجرم حرب، فهل نوقف الأجهزه عنه؟ وان ابقينا على الأجهزه التي تضمن له الاستمرار بالحياة، من سيدفع مصاريف المستشفى، وهل نقتطعها من خزينة الدولة الجديدة؟ ربما تعرض علينا دولة غربية نقله اليها، فهل نرضى؟


او ربما يستفيق من غيبوبته حينها، فيصله خبر فلسطين الجديدة وتقتله سكتة قلبية

عن الاجهاض و شياطين اخرى

قد تكون قتلت طفلها اليوم تتعدد الآراء، وهي نفسها لا تدري، وان كان الشعور بالذنب لا يفارقها. شعرت بأنها أُجبرت أن تؤذيه، وأن تؤذي نفسها حُكماً خلال ذلك. أُجبِرت... لا، لم يصوب احدهم مسدساً نحوها. هي التي اتخذت القرار، وكانت تعلم في قرارة نفسها ان بإمكانها المضي في درب آخر والإبقاء عليه. كان بإمكانها اقناع اهلها وطلب مساندتهم، كان بإمكانها السفر الى بلادٍ اكثر تسامحاً وإنجابه، كان بامكانها ترتيب حياتها بشكل مختلف وتربيته. لكن ذلك كان سيتطلب الكثير من المعارك؛ مع مجتمع لن يتقبل فكرة عدم زواجها، مع قوانين قد لا تعطيه جنسيتها او هوية تسمح له العيش بكرامة، مع وقتها واحلامها التي ستؤجل في عمل تتخذه كي تضمن له قوته، ومع الرجل شريكها في هذا الطفل والذي لم يعرض عليها مساندتها سوى في معركة التخلص منه. وكيف لمجتمعها ان يحاسبها ان ابقت عليه، الم يعلمها مرارً وتكراراً ان حماية اطفالها في صلب دورها؟ مجتمع في داخلها يحاسبها لأنها تخلصت منه، وفي خارجها يدينها لأنها تخلصت منه، وإن ابقت عليه كان سيلعنها بأقبح ما عنده من شتائم.

ذهبت طوعاً عند طبيب قالوا لها انه يساعدها في اتمام العملية رغم انها تخالف القانون. ذهبت بعد ان بكت لأسبوعين، منذ ان عرفت ان في داخلها نبض ليس نبضها، وحين رأته على تلك الشاشة ما زال ينبض في أسبوعه الثامن، فاض حزن وندم في قلبها لم يره طبيبها. اجلسها وأرجلها مفتوحة على وسعها في غرفة بالكاد تسعهما ومساعدته، التي استمرت بالخروج والدخول من الغرفة غير عابئة يخصوصيتها وغير مكترثة بعريها وأساها. لم يشرح لها الطبيب مسار ما سوف يقوم به، لم يخبرها عن الألم، لم يعرض عليها مسكناً. امرها ان تستمر بالتنفس، ولكنها لم تستطع. ادخل الكثير في رحمها، لا تعلم، فهي لم تنظر، جرحها من الداخل، جرحها مجدداً وشعرت كأنه تُغتصب. كان مبضعه يعمل في أكثر الأماكن حميمية، ذلك المكان الذي يهبها اللذة، وقد يعطيها الأطفال. تغلب عليها الحزن والألم، وبكي جسدها عرقاً بارداً، فاصفر لونها وهبط ضغطها. حينها انتهي طبيبها وخرج بعد ان امرها الا تتحرك. حين عادت اليها مساعدته بعد ما مضى ما ظنته دهراً، امرتها بارتداء ثيابها والانتظار خارجاً، حتي ينتهي طبيبها (الذي عليه ان يستفيد من وقته بأقصى ما يمكن ان يجني من المال) من معاينة مريضة اخرى. لم يخبرها الطبيب فعلاً عما سيحدث لاحقاً. لم يخبرها الا عن نزيف قد يطول أو يقصر وعن الدواء الذي ستتناوله لثلاثة ايام. لم يخبرها إن كانت ستتألم لاحقاً، ولا عن الكآبة التي ستجتاحها حال مغادرتها عيادته. بل انه حتى تقاضى خمسمائة دولار امريكي أجراً. اجرٌ تفرضه مخالفة القانون، ولا يستحقه هو كطبيب للعناية التي قدمها لها.

سوف تمر عليها الأيام. قد تتصالح مع ما فعلت، قد تبوح به لصديقات يفكرن معها ويعطينها بعضاً من الحنان. قد تتحدث مع أخريات مررن بدرب شبيه، بعضهن تشاركنها الندم والذنب وأخريات شعرن بالارتياح بعد العملية. سوف تقرأ عن الموضوع، لا باللغة العربية (لقلة المتوفر) بل بلغات أجنبية، تطيل في الخيارات الغير متوفرة لها في لبنان. قد تزور طبيبها، ربما تؤنبه، ربما تحاسبه. قد تطالب يوماً بقانون مختلف، يسمح بابقاء طفل لها ان ارادت. قد تطالب يوماً، بقانون مختلف، يضمن لها طبابة أكثر انسانية في حال اختارت عدم الابقاء على الطفل. قد تخبر شريكها كم آلمها ان يلقى على كاهلها وحدها مسؤولية القرار. قد تنجب اطفالاً آخرين يوماً، وترى في عيونهم طفلاً منعته عن الحياة، وتندم مجدداً

"Conflicting Opinions" - Photo by Ge'Shmally - http://www.flickr.com/photos/geshmally/2509838122/