Beirut Flower Shop

سلطان الباذنجان

يروى عن رجل من هذا الزمان، معيل أسرةٍ، وأب لطفلان. كان لصديقنا في شارع المرجان مكان، بيبع فيه ما لذ وطاب، لكن هواه كان للباذنجان. يشويه او يقليه ويطيبه برب الرمان. خلوقاً كريماً كان، فأحبه الناس وذاع سيطه على كل لسان.

الأمير لم يعجبه أن يكون لغيره السلطان. أمير القصر على التلة، الذي يجمع المال والأعوان، رغب بشراء الأرض التي تستضيف الدكان ليبني مكانه لزواره خان. لكن السلطان يقدر اعتياد الزبائن على الدكان بأغلى الأثمان، أما الأمير فيرى في الباذنجان تتفيهاً لشارع المرجان. فدار بينهما النزاع، وكل منهما على رأيه لا يحيد. الأمير يعرض المال على السلطان ويزيد، الذي بدوره يتمنع ولا يريد... حتى ليلة في آخر نيسان، وشارع المرجان فارغ الا من رجال امير الزمان.. اشتعلت بزاوية الدكان النيران، فكبرت وتعاظمت ولم تبق أى أثر او بيان. كبرت وتعاظمت بكبر أسى السلطان، الذي خسر ما ادخر للأولاد والأحفاد. كبرت وتعاظمت، بقدر غطرسة الأمير، الذي ضمن السيادة على البلاد والعباد.

الى خارج شارع المرجان انتقل السلطان، بعد ان نال تعويضاَ من الأمير السخي المعطاء صاحب الأيادي البيضاء، فتات ما جنى من ثروات في الخان. وعلق السلطان، باستقبال كل الزبائن والأخوان، صورة الأمير بإبتسامته العريضة وكرشه المهيبة، في زيارة تضامن ومواساة للدكان يتكرم بتذوق الباذنجان. علق الصورة وأعلن الولاء التام الأمير دون أي نقصان... وللولاء، الخوف أقوى ضمان

الحرب الأهلية.. في شارع الحمرا فقط

في ١٣ نيسان من كل عام، نستذكر حربنا الأهلية التي عايشناها ١٥ عاماً. السنة أخذت بعض الصور لجدران المدينة التي استذكرت معنا، وإن كنت ما وجدت التضامن إلا على جدران الحمرا.. هل شوارع الحمرا فعلاً وحدها التي تتذكر، وتنسى الحرب شوارع المدينة الأخرى؟

فنجان القاضي

تزدان الطريق من المنارة الى الى الروشة في مثل هذا العام بزهرة اعرف من أسمائها "فنجان القاضي" أو "ورد الحصان" .. لقد ازهرت ايضاً هذا العام، مع كل الامتنان لمساحات قليلة في بيروت مازالت تسمح لها بالظهور

ياسمينة

كان يملأه رجفة ذاك الصراخ. يشعر وكأن قلبه يرتعش داخل أضلعه كأغصان الياسمينة الرقيقة الرابضة في زاوية الشرفة. ما زال بإمكانه ان يستحضر هذا الشعور اليوم، فيعود طفلاً في الثامنة. هي اليوم مثلها، وكأنه، هو الهارب من ضجة منزل والديه، اختار إعادة تشكيل تلك العائلة في منزله الجديد. بل كأن العلاقات الزوجية، كالأمراض، نتناقلها بالوراثة.

لم يفهم يوماً القلق الساكن فيها، رغم انه ربما يعرفها أكثر من أي شخص. أمه التي يحب. امه المرحة اللاهية، التي تراقصه في ساعات المساء المبكر، وتشاركه ارتشافها لكوب النبيذ .. امه الجميلة، كما نجمات الأفلام الإسبانية، بالشعر الأسود الطويل واحمر الشفاه والكعب العالي. امه تلك التي يحب، كانت كأنها تخفي امرآةً أخرى في داخلها.. امرأة روحها على حافة بركان، يثور فيملأ زوايا المنزل، ويقطن في الوسائد والأسرة، في كوب الشاي ورائحة الخبز، في حمامه الساخن قبل النوم، وفي نعاسه، فيشد جسمه الصغير كوتر قيثارة باكية.

ربما تَعانُق الضوء في الزوايا يعيد تشكيل نفسه بالهيئة ذاتها مرة كل عشرين عاماً.. فيعيد للذاكرة مشاعرها.. فجر ذاك اليوم الخريفي.. وبكرهما ما زال في شهره الأول.. عاد اليه ذاك الاحساس.. كان صدى صوتها ما زال يطوف أرجاء المنزل وهو، في زاوية غرفه نومهما.. في آنٍ الطفل ابن الثامنة، والثلاثيني المتواري مع طفله اتقاء من بركان زوجته. عاد اليه الاحساس والطفل بين يديه مشدود كوتر قيثارة .. أراد أن يرحل معه وبه عن ذاك الخوف الساكن فيه.. بل ربما أراد له أن يعرف ام واحدة دون تلك التي تتقمصها..

أخذه الحلم، في رحلة الشمس الى مساحة أكثر واقعية.. على وقع انفاس طفله ونشيج زوجته من زاوية بعيدة.. أخذه حلمٌ انه ربما لم يزرع ياسمينة في هذا المنزل بعد

قط وزواج

لم تعد تحبه. لا تدري ان احبته يوماً. تدرك انها في زمن ما كانت تخافه. ربما سكن بينهما بعض من الحنان يوماً، ربما. واليوم، عقود بعد ارتباط حياتها بمزاجه، بات يذكرها بقطها الأسود المرقط. يجلس في زاوية منزل لهما، مستكين ضعيف، كثير الطلبات، فيمنحها سلطة التذمر. كيف كان وكيف اصبح! كيف كانا وكيف اصبحت!

قبل ان تغادر منزل اهلها، تلك المرة الأخيرة النهائية التي رسمت معالم حياتها، سكن قطٌ فناء المنزل. رغبتها في التقرب من القط امتزجت برهبة منه. رهبة لم تكن تظهرها. بقيت لسنوات تلاعبه وفي داخلها رعب تقمعه خجلاً. حتى ذلك المساء..

الشمس كانت تغادر سماء خريفية، والقط قابع مستكين في زاوية الفناء، فقد اعماه حجر رماه احد اشقياء الحي. قابع مستكين كان، والنمل يُولم على عينيه. مستكين كان، لا احتجاج يصدر منه ولا حتى مواء. بلى، ربما استغاثة خافتة اختارت اغفالها. رغبت ان توبخه.. لكن شعورها باحتقاره كان اقوى. رغبت ان تساعده.. لكن جاذبية غياب الرهبة منه كانت اقوى. دام الغروب دهراً، كأن الشمس، مثلها تتردد في المغادرة.

كيف كانا وكيف اصبحت!
كيف كان وكيف اصبح! بات يذكرها بقطها الأسود المرقط

كعكة الجزر والمشاع الإبداعي

عندي من امي دفتر صغير بخط انيق، ممتلئ بخبرة ٣٠ عاماً على الأقل، قدم لي دون اي مقابل .. ودفترها، المزين بالطحين والزيت، ممتلئ بوصفات استعملت مئات المرات

وعندي خط ساخن، مفتوح دوماً للاتصال بأختي، او زوجة عمي العزيزة.. كلما فكرت بتحضير طبق من الطعام فيه من التعقيد القليل مما يفوق شوربة العدس..

ومنهن، وغيرهن من الأحبة والصديقات، علب بلاستيكية امتلأت يوماً بالكثير من الحنان، اعيدها (وقد لا اعيدها) فارغة..

الى الأمهات اللواتي يملكن وصفات الطعام السحرية تلك، الناجحة دوماً...
الأمهات اللواتي ان زرناهن في اي وقت وجدنا وجبة تدفئ قلوبنا..
الأمهات اللواتي يهبن خبرة راكمنها عبر سنين، برحابة صدر ودون اي مقابل .. لا بتحضير الطعام فقط، بل بالفن والطب وعلم الاجتماع ايضاً.. فتصبح بذلك عمومية، ومفتوحة المصدر .. يعني
open source and with no copyright restrictions, not even attribution

والأمهات القادرات، في يوم واحد، على تحضير وجبة الطعام تلك، تدريس اطفالهن، تحضير رسالة الماجستير، تنظيم اعتصام لمناصرة الامهات في غزة، اعداد التقارير الاجتماعية او السياسية، والعمل بدوام كامل ...

اليهن، شكراً لكن على كل الوصفات والوجبات التي وهبتموها لي.. وماما، شكر خاص على وصفة كعكة الجزر

وأيضاً ... نهر البارد

مرة أخرى نعود الى مخيم نهر البارد.. قاعدة بحرية يقرها مجلس الوزراء اللبناني، ومازال المخيم مدمر، وأهله مهجرون. فيما يلي نص الرسالة التي ارسلها اهالي نهر البارد الى رئاسة المجلس ووزرائه

رسالة موجهة من أهالي مخيم نهر البارد الى مجلس الوزراء اللبناني
مخيم نهر البارد في 23 كانون الثاني 2009

نحن أهالي مخيم نهر البارد المدَمر، نتوجه إليكم معترضين بشدة على قرار مجلس الوزراء اللبناني الأخير بتاريخ 16 كانون الثاني 2009 لإقامة قاعدة بحرية على شاطئ مخيم نهر البارد وعلى قراراتكم السابقة بإنشاء قاعدة عسكريةـ برية في منطقة نهر البارد.
هل يخفى عليكم أن الأرض التي وافقتم سابقاً على إقامة قاعدة عسكرية عليها، تقع إلى جانب مدارس “الأونروا” الابتدائية والتكميلية؟ وأن قطعة الأرض نفسها كانت ملعباً لكرة القدم - المتنفس الوحيد للرياضة في المخيم والجوار- بالإضافة إلى وجودها بين الأحياء السكنية؟
وهل تعلمون أن إحدى الأراضي المطروحة لإقامة القاعدة البحرية كانت تحتوي - قبل المعركة مع فتح الإسلام - على صالتي أفراح وأعراس وهي بمثابة متنفس هام لأهلنا وجيراننا وإخواننا في المحمرة وبحنين والعبدة وسهل عكار حيث كنا نحتفل سويا و كان ذلك مثالاً للعيش المشترك؟
هل لنا أن نفهم وبعد أن دُمرت بيوتنا، وخسرنا كل أملاكنا في أحداث ومعارك لا ذنب لنا فيها، لماذا تجري عملية مكافأتنا بهذه المراكز العسكرية؟
هل هدف الإعمار إستبدال مواقع الأفراح واللعب والحياة الكريمة بقواعد بحرية وعسكرية؟
كيف تريدون لنا أن نفسر كأهالي مخيم نهر البارد المدمر وبعد حرماننا من العودة إلى ديارنا بأربعين يوماً بعد معركة دامت ثلاثة شهور، أن نعود أخيراً لنكتشف أن ما تبقى من بيوتنا قد سرق أو نهب أو حرق؟
وعلى الرغم من الشعارات القائلة بعودة سلطة القانون، لا نرى أي ملاحقة قانونية أو محاسبة لمرتكبي تلك الجرائم التي تمت عندما كان الجيش اللبناني هو المسؤول عن تلك البيوت، إن الأمن لا يتحقق من خلال ثكنات عسكرية وبحرية وبرية ومكاتب للجيش والأمن الداخلي بغياب القانون والحقوق والشفافية.
وقد طالبتمونا - خلال وبعد الحرب - الشراكة بالمسؤولية، التي كانت لنا المساهمة الكبيرة بإخلاء بيوتنا لفتح المجال أمام الجيش ليؤدي واجبه. لماذا يحاصر مخيمنا بالجدران الإسمنتية والأسلاك الشائكة ولا يسمح لنا بالدخول أو الخروج إلا من خلال حواجز عسكرية وتصاريح وأذونات دخول يجب الحصول عليها من مراكز الإستخبارات للجيش اللبناني؟ ولماذا لا يسمح للإعلام بالدخول إلى المخيم؟
أتعلمون يا دولة الرئيس ويا السادة الوزراء، أنه بسبب هذا الطوق المفروض على المخيم قد خسرنا كل الحركة التجارية وتقطعت علاقاتنا مع الجوار اللبناني والذي كان مثالاً حقيقياً للعيش المشترك. فلا بائع ولا مشترٍ من الجوار اللبناني، لأنه يواجه مهانة الإنتظار وإضاعة الوقت على حواجزالجيش القائمة على أبواب المخيم أو الذهاب إلى مراكز المخابرات للحصول على تصريح دخول. لذا لا فائدة من المساعدات الإقتصادية الضئيلة للتجار من الدول المانحة لأن الحركة الإقتصادية مشلولة بسبب الإجرا ءات الأمنية المعقدة.
هل تعلمون يا دولة الرئيس حقيقةً أنه وحتى الآن وبعد 17 شهرا من إنتهاء المعركة ليس هناك آلية لإعادة إعمار الثلاثمائة مبنى في المخيم الجديد بسبب القانون الظالم الذي يمنع إمتلاك الفلسطيني لأرض أو شقة في لبنان؟ بأنه لا يسمح لنا حتى اليوم، العودة إلى بيوتنا الواقعة بمحاذاة المخيم القديم؟
كما وأننا نبدي إعتراضنا على تقديم حضرتكم لطلب تمويل مشروع تحت عنوان الإدارة (governance) قيمته 5 ملايين دولار” لشرطة مجتمعية” من الأمن الداخلي كجزء من مشروع إعادة إعمار المخيم وذلك من دون علمنا وبدون موافقتنا ( كما ورد في المشروع المقدم في مؤتمر فيينا).
دولة رئيس مجلس الوزراء والسادة في مجلس الوزراء ، أنتم الداعمون والداعوون ضد حصار غزة والحرب المجنونة التي شنت عليها، لماذا لا تدعمون وتساندون هذا الشعب في لبنان بمنحه: حياة كريمة دون قيود عسكرية وقوانين تمنع العمل وتمنع التملك وحتى تمنع ميراث العقارات لأولادنا.
لقد صدقنا أننا شركاء ورفضنا تصديق نظرية المؤامرة التي تقول بأن تدمير المخيم هو لإنشاء قواعد بحرية وبرية وعسكرية. ولكن لا نستطيع إلا أن نقرأ الحالة والصورة الكاملة التي ترسم أمامنا بواقعها السلبي والصعب والغير إنساني والمهين الذي نعيشه.
دعونا نعتبر وبعد أن عبرنا عن رأينا وواقعنا وعن الظروف التي تفرض علينا والتي لم تعد تطاق، بأن دولتكم الآن على علم بها.
لذا نتمنى من حضرتكم مراجعة وضع هذا المخيم المنكوب وإزالة كل المظاهر العسكرية. وتسهيلاً لحركة الناس والجوار وعودة الحياة الطبيعية المدنية إلى سابق عهدها نتمنى عليكم إزالة الأسلاك الشائكة والحواجز وإلغاء التصاريح.
ونرجو منكم إعادة النظر بمضمون القرارات التي صدرت بالنسبة لمخيم نهر البارد وخاصة بعد تدميره والأيام العصيبة التي تمر على الفلسطينيين جميعاً – ونناشدكم أن تكون القواعد العسكرية/البحرية في مكان بعيد عن المدارس والأحياء السكنية الفلسطينية واللبنانية